إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
1022
زهر الآداب وثمر الألباب
ثم دعا بأبى الجارية فقال : إني مسرّ لك سرّا فلا يعدونّك « 1 » . فضمن له ستره فأعلمه أن ابنه قد عشق ابنته ، وأنه يريد أن ينكحها إياه ، وأمره أن يأخذها بإطماعه بنفسها ، ومراسلته من غير أن يراها ، أو تقع عينه عليها ؛ فإذا استحكم طمعه فيهما تجنّت عليه ، وهجرته ، فإذا استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلَّا لملك ، أو من همّته همة ملك ، وأن ذلك يمنعها من مواصلته ، ثم ليعلمه خبرها وخبره ، ولا يطلعها على ما أسرّ إليه ، فقبل ذلك أبوها منه . ثم قال للمؤدّب : خوّفه بي ، وشجّعه على مراسلة الجارية ، ففعل ذلك ، وفعلت الجارية ما أمرها به أبوها ؛ فلما انتهت إلى التجنّى عليه ، وعلم الفتى السبب الذي كرهته من أجله أخذ في الأدب ، وطلب الحكمة ، والعلم ، والفروسية ، ولعب الصّوالجة ، والرّماية ، حتى مهر في ذلك ، ورفع إلى أبيه أنه يحتاج من المطاعم والآلات والدوابّ والملابس والوزراء فوق الذي كان له ؛ فسرّ الملك بذلك ، وأمر له بما أراد ، ودعا بمؤدّبه ، فقال : إنّ الموضع الذي وضع ابني نفسه فيه بحبّ هذه المرأة لا يزرى به « 2 » ؛ فتقدّم إليه أن يرفع أمرها إلىّ ويسألني أن أزوّجه إياها ، ففعل ، فزوّجها منه ، وأمر بتعجيل نقلها إليه ، وقال له : إذا اجتمعت أنت وهى فلا تحدث شيئا حتى أصير إليك . فلما اجتمعا صار إليه فقال : يا بنى ، لا يضعنّ منها عندك مراسلتها إياك ، وليست في حبالك ، فأنا أمرتها بذلك ، وهى من أعظم الناس منّة عليك ، بما دعتك إليه من طلب الحكمة ، والتخلَّق بأخلاق الملوك ، حتى بلغت الحدّ الذي تصلح معه للملك بعدى ؛ فزدها في التشريف والإكرام بقدر ما تستحقّ منك . ففعل الفتى ذلك ، وعاش مسرورا بالجارية ، وأبوه مسرورا به ، وزاد في إكرام المرزبان ، ورفع مرتبته وشرفه بصيانته لسره وطاعته ، وأحسن جائزته وجائزة المؤدب
--> « 1 » لا يعدونك : لا يتجاوزنك إلى غيرك ، يأمره بكتمان السر ( م ) « 2 » لا يزرى به : لا يعيبه ولا ينقصه ولا يضع من قدره ( م )